حلقة العمر من أحمر بالخط العريض (فيديو)

0

حلقة العمر بالخط العريض… فادي المسيحي وجد فادي المسلم (بالفيديو)

تمر سنوات ويخيّلُ أن الجروح تندمل أو أن أوجاعها تكوى مع الأيام. لكن يحدث أن يتمكن شخصٌ واحدٌ أو قصة واحدة من فتح جروح جماعية مرة واحدة بلا هوادة ونثر الملح الكثيف عليها. أب مسلم، أم مسيحية، وولدان هما ثمرة زواج لم تكتب له ظروف الحرب الأهلية والمعابر الكثيرة والطائفية المستشرية النجاح. الأم مهيبة المارونية تبتعد بولديها عن الأب الشيعي المنغمس مع أحزاب الحرب، تضعهما في دير للأطفال ومن ثم توافق على تسليم مصيريهما لجمعية تؤمن سفرهما الى سويسرا حيث من المفترض أن يكبرا بأمان وسلام وأن يتعلما ويحظيا بعيش كريم.

قصة عن هويات ممزقة ونفوس دمرتها شظايا الحرب، قصة عن الاصرار على ملاحقة الأمل، وتتبع أثره لجمع ما تفرق وتشتت، قصة عن عائلة فرقتها الأديان والحروب والظروف، واستطاع برنامج “أحمر بالخط العريض” (LBCI) مساء أمس أن يجمعها ليقول أشياء كثيرة، لعلَ أبرزها أن إصلاح ما أفسده الدهر أو خلفته الحرب لا يزال ممكناً.

كسب الرهان
كسب البرنامج الرهان حين خطف الأنفاس وحوّل كل مشاهد جزءاً من القصة المشوقة، فاذا بكل منا فادي الشاب المهذب الأنيق الذي سفرته أمه مهيبة مع أخته سهى الى سويسرا خلال الحرب الأهلية من دون علم الوالد شمس الدين رمضان الذي فرقت حواجز الحرب والطائفية بينه وبين زوجته التي تقول أنها أرادت لولديها أن يجدا مركب النجاة. قرارها لا يجد غفراناً نهائياً حتى الساعة من ولديها، وبطبيعة الحال من زوجها الذي قال انه بحث طوال سنوات عن ولديه من دون جدوى، قبل أن يتزوج ويكوّن أسرة، وترتسم التجاعيد الكثيرة على وجهه.
في استوديو البرنامج الذي بثت حلقته أمس في الزمن الميلادي، استقبل مالك مكتبي بداية الأم مهيبة التي حكت وبكت عن فقدها واشتياقها لولديها قبل أن يفاجئها البرنامج بدخول ابنها فادي ذي الـ38 سنة الى الاستوديو، فسادت لحظات مؤثرة دمعت معها العيون، لاسيّما مع شهقات الأم المواكبة لبكائها الشديد، فكأننا بتلك الشهقات تحمل مرارة الندم على قرار ربما فرضته واقعية وغريزة أم تبحث عن طوق النجاة لولديها عبر قرار قاهر بابعادهما عنها وعن والدهما وبلدهما.
يبدأ حوارٌ بين الأم والابن يقر خلاله الاخير بأن شقيقته لم تسامح أمها وأنها حتى لم تبذل جهداً لتعلم العربية، ربما لرغبة في نسيان كل ما هو له علاقة بالماضي.
يبدو فادي في البرنامج كأحد أبطال الأفلام الهوليودية الذي كرس وقته لاكتشاف ماضيه وهويته، وها هو بمساعدة البرنامج ينجح في لقاء الأم فماذا عن الأب؟

استكمال المهمة
يبدي الابن رغبة في استكمال البحث فيلاقي رغبات البرنامج في اكمال المهمة.
تطلب التحضير للحلقة جهداً كبيراً من فريق الاعداد، فيكفي أن نعرف أن أوراق فادي السويسرية لا تخوّله من السفر الى لبنان، فكانت مساعدة من الامن العام والقنصلية اللبنانية في سويسرا وغيرهما، كما ان الوصول الى هوية الأب تطلب ضغطاً على الأم وجهداً لاقناعها بكشف ما جهدت لاخفائه سنوات عن ولديها اللذين ربطتها بأحدهما (فادي) اتصالات متقطعة بعد سفرهما.
يعثرُ فريق البرنامج على الأب، وها هو في السيارة الى جانب مالك مكتبي الذي يصطحبه الى دار الأطفال الذي وضعت فيه الأم ولديها ذات يوم، وفي الطريق يمتد شريط ذكريات طويل يحكي مرارة التفرقة وبشاعة ما تسببت به الحرب من مآسٍ لا زالت مفتوحة على مصراعيها.
هناك قرب الدار، يتم اللقاء بين الأب والابن في لحظة شديدة التأثير بكى خلالها المشاهدون ومكتبي. فاذا بنا امام مشهد التئام الهوية المنقوصة بعد جهد وعناء، فيلتقي فادي الذي منحته أمه عائلة داغر بتسجيلها على أوراقه الثبوتية بفادي رمضان في رمزية مكثفة تسقط على شعب شرذمته الهويات القاتلة.
تترك الحلقة أبواب الأحكام مفتوحة على مصراعيها، وفي قرارة نفس كل مشاهد أسئلة وإدانات وخلاصات، لكن الأكيد ان اللحظة الانسانية ومعانيها العميقة تفوّقت على كل ما سبق.
وكان البرنامج قد نجح في جمع شمل عائلة أخرى في الحلقة عينها، فحضرت الى الاستوديو سيّدتان لبنانيتان تعيشان في المكسيك لم تريا والدهما منذ4 عقود، بالاضافة الى الوالد الذي يقضي شيخوخته في دار للعجزة في لبنان، والشقيقة الثالثة التي تقطن في بيروت. وقد فرقت الحرب الأهلية شمل هذه العائلة أيضاً حين سافرت الشقيقتان مع جديهما الى المكسيك هرباً من الحرب، فيما الوالد بقي في افريقيا، والبنت الثالثة مع والدتها في لبنان.

مالك مكتبي
بتأثرٍ كبيرٍ، تحدثَ مالك مكتبي بعد إنتهاء الحلقة قائلاً: “سبق أن قلت أنها حلقة العمر، ما جعلني أشعر لبرهة قبل العرض بأن في ما قلت رفعاً كبيراً للتحدي، لكني أجزم الآن أن الحلقة هي حلقة العمر بالخط العريض”.
ويردف: “خلال متابعتي تفاعل الناس والتعليقات المؤثرة التي ترد، أدرك أننا نجحنا في ملامسة أعماق كل مشاهد، وجعلناه يخرج بالعبرة التي خلصنا اليها من خلال قصة فادي الذي يمثل جرح الحرب، فادي المسيحي الذي وجد نصفه المسلم”. ويضيف: “هذه الحلقة شأنها ككل حلقة من البرنامج أن ترفع سقف غمار التحدي الذي نخوضه في البرنامج منذ سنوات”.
وبالنسبة لمكتبي، فان ما بعد الحلقة التزاماً باكمال القضية، قضية فادي وما تمثله من مسألة جماعية تخرج من إطار الفرد. وهنا يقول: “ما زال هناك الكثير الذي سنكشفه عن فادي بما يجسده من قصة وطن”.

لا يملك فادي أوراقاً ثبوتية اليوم تخوّله السفر الى لبنان بسهولة، فكيف لضحية حرب أن يمعن الوطن في حرمانه من حقوقه، وألا يكفي ما سلف من حرمان. فادي وكل من له قصة مشابهة يجب أن يحظوا بتعويض يناسب ما عاشوه من تضحية. وهذا التزام من برنامج يجب أن يحظى بتأييد الدائرة الأوسع في الرأي العام.
يبقى أن وراء الحلقة المؤثرة التي شاهدناها أمس، فريق عمل كبيراً، يرى مكتبي وفاءً في ذكر أفراده فرداً فرداً، فهؤلاء جنود ساهموا في نقل قصة وطنية بامتياز: جورج موسى، نانسي سلوم، روكسلينا نجم، باتريسيا متى، فرح سليعي، نيكولا فرح، ديما بو ناصر الدين، هلا بودياب، مخايل ابو خليل، منير ابي عاد، دانيال فضول، ديما الحاج حسين، ايلي ابي عاد، مارلين رشيد، جيسيكا روكز، كانديس حاتم، وجيسيكا دكاش.

و يشكر مكتبي بشكل خاص ٤ اشخاص وصلوا الليل مع النهار لإنجاح هذه الحلقة على رأسهم رئيس التحرير جورج موسى، Line producer نانسي سلوم والمخرج مايكل أبو خليل و باتريسيا متى من فريق الإعداد.

المصدر: “النهار”

Share.