زحمة الفراغ _ ايلي قزي

0

لا نحتاج الى عرّاف أو عالِم غيب ليتنبأ لنا بنهاية الزمن الجميل. وحدَه رحيلُ الكبار هو العلامة. 
كلّما توقَّف قلب مُبدع عن الخفقان، اتسعت رقعة الفراغ في عالم الفن؛ ولكم هو غريبٌ هذه الأيام!  
سُهولة الولوج إليه أوصَلته الى حَدّ التُخمة، ورغم ذلك يقارعُه الفراغ المميت؛ فلقد كَثرَ فيه الفنانون وقَلَّ فيه الابداع. ولا اظنني ابالغ ان اعتبرت أن نجما واحدا من أربعينيات القرن الماضي يَزِن بفنه أربعين ممن يطلقون على أنفسهم في هذا القرن لقب “نجم” و”نجمة.” 
يُخَيّل إلي وانا المولود على طرف نهاية القرن العشرين أن السماء أحبّت الجيل السابق فأغدَقت عليه نعمة معايشة الابداع والاصالة في شَتّى المجالات الفنية والاعلامية، فطبَعَت زَمَنَه بأناس كمحمد عبد الوهاب وأمّ كلثوم وفريد الاطرش وعبد الحليم حافظ وزكي ناصيف والاخوين رحباني وفيروز ونصري شمس الدين وفيلمون وهبي ووديع الصافي وصباح وابو ملحم وعلياء نمري وفريال كريم ورياض شرارة وفاتن حمامة ونجاح سلام وسعاد قاروط العشي وصونيا بيروتي وغيرِهم -أطال عاطي المواهب بعمر الأحياء من بينهم-  ولم تُمطر فوق رؤوس جيلِنا إلّا زخّات مواهب يعدُّ أصحابُها على أصابع اليدين وأما الباقون فالجودة تخجل من مواهبهم، وحتماً سوف يمرون من دون أي عطر يتركونَه خلفهم. 
آباؤنا وآباء آبائنا  عرفوا الاصالة عن قرب وارتووا حياة من حياة ثمارها وسكروا بها. وأما جيلنا اليوم، فلقد كُتب له ان يشهد على نزاعها -النزاع الاخير. 
مائدة الفن والاعلام بمعظم معروضاتها يمقُتها الذوّاقون ويتهافتُ عليها جمهورٌ يوزع الآه والاعجاب حتى للسخف والنشاز والسطحية. 
حفلات الفنانين اليوم تعمّها الفوضى، يحضرها معظم الناس للتسلية ولمضغ المازات وشرب الفودكا والويسكي والرقص واخذ صور “السلفي” ولتصوير الفنان على طريقة الفيديو ونشره عبر مواقع التواصل. وإن تواجد فيها من هو آت حقا لأنه معجبٌ بصوت الفنان واغنياته فسيكون محظوظا لو استطاع ان يسمعَ اغنيةً بأكملها دون أن تخدش سمعَه عثراتٌ صوتية او تحياتٌ ارتجالية خارجة من فم محيي الحفل لهذا وذاك من الحاضرين. والحفل الذي يعد ناجحا بعيون متعهدي الحفلات في ايامنا هذه هو ذلك الذي يغطي التكاليف ويدر عليهم بالربح المادي والذي لا ينهيه، قبل وقته المحدد، خلافٌ بين بعض الحاضرين من اصحاب الانتماءات السياسية الملتصقة برأسهم كربطة العنق. لذلك، فالتفكير بعديد عناصر الامن المولجة السهر على أمن الساهرين يفرض ذاته قبل التفكير بأمور الحفل التقنية وغيرها وصار الجمهور المسالم يخاف من حضور حفل لا تتواجد فيه عناصرُ الامن والشرطة. الساهر غير المتزن، قنبلة موقوتة!   ينتابني حنين الى حفلات لم يكن عندي في حينها قلب وروح وعينان واذنان، اذ كنت فقط فكرةً في مشروع عائلة؛ حفلات كان الهدفَ الاسمى فيها اطراب الحاضرين. اشاهد من حين الى آخر تسجيلات لحفلات لكوكب الشرق والعندليب الاسمر، فأحسد الحاضرين على اتقانهم فنّ الانصات واستشعر فرحتَهم كلما هتفوا “عظمة على عظمة على عظمة”، واتمنى لو كنت من بين هؤلاء، جالسا في مقعدي، لا يعيقني عن الاستمتاع بأجواء الحفل ايُّ شيء مما نراه في حفلات هذا العصر.  والاعلام حاله ليست أفضل من حال الفن. فكلاهما فقَدَ رسالتَه الحقيقية. مواقع التواصل الاجتماعية صارت هي مصدر المعلومات وتكاد تسحب بساط المعرفة والترفيه من تحت اقدام وسائل الاعلام التقليدية التي ولكثرتها يتكرر مضمون ما تقدمه فيشعر الرأي العام وكأنه في وسط ساحة محاط بأبواقٍ مزعجة وفارغة من اي جديد يستحق الانتباه. 

منذ سنوات وخوابي الزمن الجميل الاصيلة تنضب اذ ان الموت اعتاد ان يستشف من نبيذها كلَ فترة دون رادع، ولن تتسنى للجيل القادم فرصة الامساك بطرف اصالتها كما استطاع جيلنا نحن. والظاهر ان الارث الذي تركه العمالقة لنا ولمن بعدنا لن يشفع بنا وها اننا اليوم نعيش في زمن فنّه فارغ من الابداع، اعلامه غارق في السطحية مزدحم بمشاهير كثر وصلوا الى مرتبة الشهرة بمَركبات يشعلها وقود السخف المال والاغراء.إنه زمن زحمة الفراغ!

 ايلي قزي

Share.