فشرت” – ايلي قزي”

0

وأنا تلميذ ابتدائي، في زمنٍ كانت فيه العصا عند الاهل والمعلمين من ضرورات تعليم الأجيال، نزع رفيق لي في احدى المرات تهمةً عنه وألصقها بي. عندها استجوبتني الناظرة وقلت لها: “فشر! …هيدا واحد كذاب!

نال رفيقي جزاء كذبه، راحتاه تلقتا عشرَ ضربات وركبتاه قبّلتا الارض نصف ساعة. وأما انا، نظيف الكف، فلم تكتمل عندي لذة الشماتة بذائق الذلّ، لأن الناظرة وهي العارفة أن الكتابة عند التلميذ الكسول أشد ايلاما من ضربة المسطرة الخشبية، قرّرت تلقيني درسا في اختيار عباراتي، فأجبرتني ألّا أرجع في اليوم التالي إلا وقد كتبت جملة “انا تلميذ مهذب، لا أقول لأحدٍ فشرت ولا كذبت بل أقول هذا الكلام غير صحيح.” مئتي مرة! وكل سطر بلون! وهددتني بكسر العصا على اصابع يدي اليمنى إن كان خط الكتابة سيئاً!

حديثاً، عرفْت أن لكلمة “فشرت” وجوداً في اللغة العربية الفصحى. كنت أظنها مفردةً عاميةً من متروكات السلطنة العثمانية ككلمة “طز” و “بلكي ” و “طرمبة ” و ” دغري” الخ.  تهاديها الى سمعي من أفواه بعض الوجوه البارزة دفعني كي أنفض الغبار عن القاموس العربي علّني أجد أثرَها. ووجدته!

فعل “فشرَ” يعني كذب وادّعى باطلاً والفاعل “فاشر” او “فَشّار” أي كذّاب مبالِغٌ في كذبه. قبل أسابيع قليلة، سمعت النائب اللبناني أحمد فتفت يقولها خلال مؤتمر صحافي رداً على صحافي تابع لقناة المنار اتهمه بأنه عندما كان على رأس وزارة الداخلية إِبّان حرب تموز 2006، كان ومن معه يقدمون الشاي لجيش العدو الإسرائيلي في قرية مرجعيون جنوب لبنان. الاتهام أثار غضبَ فتفت فقال له: “فشرت نحن لم نقدم الشاي”. “فشرت” -بتقطع- أحيانا وأحيانا لا يتقبلها المتلقي. فهي كغيرها من الكلمات الفظّة والعبارات النابية، مفتاح عراك.  قبل عام تقريبا، كان هذا المصطلح سببَ مغادرة العميد المتقاعد أمين حطيط من برنامج “الأسبوع في ساعة” الذي يقدّمه الإعلامي في تلفزيون الجديد جورج صلبيي. ضيف الحلقة المواجه، جورج بكاسيني، الذي يشغل منصب رئيس تحرير جريدة المستقبل، القى بـوقود “فشرت” على نار الحوار اعتراضا على وصْف حطيط لتاريخ السابع من أيار بالمجيد، فاشتعل الاخيرُ غضباً، غادرَ الحلقة ورفض العودة الى الاستوديو بعد رفض بكاسيني تقديمَ الاعتذار اليه. -“ما قطعت!” –

في القاموس العربي، لم أجد أن “فشرت” قد تعني “كلامك خيالي” أو ” لن تتمكن من نَوال ما تبتغي”. نحن الناطقون بلغة الضاد نعوزها أحيانا بمعنى تهكّمي مرادفٍ لما ذكرْت. اليكم نموذجا. قرأت مؤخرا خبراً، احتار تفاعلي معه بين الصدمة والدهشة، مفاده أنه خلال عرض مسرحية “ايامك يا بطل” للكاهن فادي تابت الذي يلعب في المسرحية دورَ “بشير احمد”، انفعل أحد الحاضرين وصرخ في ارجاء الصالة وبأعلى صوته “فشرت”، بعد أن أنهى الأب تابت أداء جملة:” من هو يوسف بيك كرم مين مفتكر حالو. جيبولي كرم زحف لعندي.” تابت استدار باتجاه مصدر الصوت وابتسم. -” قطعت!” – ربما لو كان مؤدي دورَ بشير احمد أحدُ السياسيين اللبنانيين الحاليين، لكان حصل صدام!  فغالبية من يمثلون الشعب وعلى الشعب، هم أقرب الى إظهار علامات الغضب منها الى تمثيل الابتسامة في وجه اخصامهم.  بالعودة الى قصاص الناظرة لي في طفولتي والذي اعتبرته ظالما آنذاك، فقد جعلني أعي أهمية الكلمة واروّض لساني على اختيار كلماتي بحقّ الخصم والصديق. فمثلا، متى وددت ان انطق بكلمة “كذاب” استبدلها بـعبارة” كلامك مش صحيح”، من باب حياء الخلق. ولكن، أكون فاشراً باحتراف أيها القارئ إن اقنعتك أني لا أركلُ “فشرت” او كلماتٍ أكثر فظاظة تحاكي الرخص، في مرمى الخصم، عند احتداد الملاسنات. احيانا وللأسف، يصعب عليّ ضبطُ لساني في لحظات الغضب المُندمَة. ولست وحدي من يجد صعوبة في ذلك، فكاظم الغيظ لم يعُد يُلْمَح بين الناس ولا ناظرة في الحياة الاجتماعية ترْهبُ الناسَ بعصاها وتَحثهُم على الارتقاء في التواصل والخلاف مع الآخرين فوق اسلوب الشتائم والذم. وحده الضمير في مدرسة الحياة يَرْقَب الاخلاق ويحرس باب الفم، ويبقى تأنيب الضمير، ليّنا ام شديدا، العصا الانسب لمن عصا واقتحمت وقاحتُه منطقَ الكلام.

ايلي قزي

Share.