لبنان يودع الاسطورة صباح في مأتم رسمي وشعبي

0

حلت “الشحرورة صباح” بهدوء وسلام، بعدما تركت كنزا ثمينا من العطاء الفني، فهي التي عاشت بتواضع كانت جنازتها عرس الموت، حيث اختلطت الدبكة بالاغاني، البسمة بالدمعة وبمشاركة حشد سياسي وفني وشعبي.

برحيل صباح يطوي لبنان صفحة مشرقة ويودع رمزا من رموزه الفنية الاصيلة، صباح ترحل اليوم تاركة دعوة “تذكروني بغيابي”. فاليوم ودع لبنان الرسمي والشعبي في مأتم مهيب الأسطورة صباح التي فارقت الحياة بعد رحلة فنية طويلة مكللة بالنجاح والعطاء رفعت خلالهااسم لبنان عاليا في العالم.

وصل جثمان صباح الى كاتدرائية مار جرجس في بيروت، على وقع اغنية “تسلم يا عسكر لبنان”، حيث علا التصفيق واطلقت الزغاريد، ولف النعش بالعلم اللبناني.

وكانت قد انطلقت السيارة البيضاء المزينة بالورود، والتي تحمل جثمان الشحرورة صباح من مقر اقامتها في الحازمية الى كاتدرائية مار جرجس في وسط بيروت، وسط نثر الزهور ورقص الدبكة واغاني الراحلة الكبيرة.

وترأس البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي صلاة الجناز عن راحة نفس الراحلة وعاونه مطران بيروت للموارنة بولس مطر، وشارك فيه الوزيرة اليس شبطيني ممثلة الرئيس ميشال سليمان، السيدة جويس الجميل ممثلة الرئيس أمين الجميل، النائب عاطف مجدلاني ممثلا الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري، الوزيران رمزي جريج والياس بوصعب،السفير السوري عبد الكريم علي، النائبان غسان مخيبر وانطوان زهرا، السيدة منى الهراوي، العميد جمال سرحال ممثلا قائد الجيش العماد جان قهوجي، نقيب الصحافة محمد بعلبكي، نقيب المهن التمثيلية في مصر اشرف عبد الغفور، نقيب الممثلين المحترفين في لبنان احسان صادق والفنانون الهام شاهين، لبلبة، سمير صبري، بوسي شلبي، ماجدة الرومي، راغب علامة، نجوى كرم، وليد توفيق، رولا سعد، ميريام فارس، هيفا وهبي، مادونا، الياس الرحباني، معين شريف، نقولا الأسطا، عبد الكريم الشعار، ورد الخال، جهاد الأندري، جان قسيس، رفيق علي احمد، الفيرا يونس، وفاء طربيه، سميرة بارودي، ليليان نمري وحشد من الشخصيات الفنية والإجتماعية والإعلامية.

وبعد تلاوة الأنجيل المقدس، القى البطريرك الراعي عظة قال فيها: “يندرج كلام الرب يسوع، في انجيل اليوم، في سياق كلامه عن الحياة وما تمتلك من خيرات مادية وروحية وثقافية وفنية، انها وكالة من الله موزعة على الناس مواهب مواهب، كما يشاء، من اجل بنيان الجماعة، وان كل واحد منا سيؤدي حسابا عما خصه الله به من مواهب وعطايا وإمكانيات. هذا ما أراد تفسيره في مثل الوزنات.

نودع اليوم المرحومة صباح بالاسى الشديد مع الفرح الذي أوصت به قبيل الرحيل. وهي التي سلمها الله خمس وزنات من موهبة الفن والغناء فثمرتها، وها هي اليوم تسلم الله خمسا أخريات، والعدد يعني كمال العطاء. بفضل هذه الامانة الكاملة والرائعة من جهتها، نستطيع ان نقول: ماتت صباح، لكن صوتها حي على مدى الأثير. غاب وجهها، لكن ابتسامتها العريضة على كل شاشة وورقة. انها جانيت الفغالي ابنة بدادون ووادي شحرور، عمها شحرور الوادي. معروفة فنيا بشحرورة لبنان صباح، وشعبيا بالصبوحة، ونتاجا بالاسطورة.

في الصباح الباكر من يوم الاربعاء الماضي أسلمت الروح وأطلت على عالم الله، في الموعد الذي كانت تطل فيه على مسرح الارض تنشد، والجماهير تمجد الله في عطاياه. رقدت ووصيتها واحدة: ان يكون وداعها يوم فرح، وبدون حزن وبكاء، يقينا منها انها ترحل الى رحاب رحمة الله اللامتناهية، وكأنها تردد وصية بولس الرسول:”افرحوا في الرب على الدوام، وأقول لكم ايضا افرحوا”. فتثبت يوم وداعها في هذا يوم الاحد. أجل، أدت صباح، رسالة زرع الفرح في قلوب الجماهير اللامحدودة، من خلال حوالى أربعة آلاف أغنية بكل اللهجات اللبنانية والعربية والمناطقية وتسعين فيلما مصريا ولبنانيا ومن جنسيات اوروبية اخرى، وثلاثة وعشرين مسرحية استعراضية وغنائية، وعشرات المهرجانات العربية والدولية. وزرعت الفرح بابتسامتها الدائمة، وحبها للحياة، بأناقتها وتواضعها، باحترامها للغير والكلمة الحلوة واللطيفة، بسرعة البديهة والنكتة الحاضرة. وزرعت الفرح بنوع خاص في قلوب الفقراء والمعوزين وذوي الحاجة، من قريب وبعيد، وساهمت في بناء كنائس وقاعات راعوية بتقديم حفلات مجانية، باذلة من مالها الخاص وتعبها بدون حساب فكانت ذروة فرحها انها ماتت فقيرة، من دون ان تملك شيئا.

انه “فرح الانجيل” الذي يدعو اليه البابا فرنسيس. فاذا ملأ القلب، حرر من الحزن والفراغ الداخلي والعزلة، وحمل على أفعال المحبة والرحمة تجاه كل أخ وأخت في عوز وحاجة”.

واضاف: “وعت صباح موهبتها بعمر سبع سنوات، عندما كانت تغني مع فتيان وفتيات الضيعة، مشغوفة بجوقة عمها “شحرور الوادي” الذي احتضنها وأحبها وشجعها على إنماء مواهبها. وأدركت ان غنى موهبتها هبة من الله. فدخلت ذات يوم، وهي طفلة، كنيسة في جل الديب، وأهلها في زيارة لعائلة صديقة في المحلة، جثت على ركبتيها أمام المذبح تذرف الدموع وتصلي ببراءة الاطفال: “يا رب، أريد ان أصير مطربة مشهورة. حقق لي أمنيتي يا رب”. استجاب الله طلبها ولم تنس ذلك، فظلت مواظبة على الصلاة في كل مساء، معتبرة ان المواظبة على الصلاة كالمواظبة على النوم، وان الصلاة سلاح نحارب بواسطته الاكتئاب والشدة في الازمات والمرض. وتميزت بعبادة خاصة للقديسة تريز الطفل يسوع، قديسة المحبة والفرح.

اجل، الفن على تنوعه هبة من الله بمقياس وزنات الانجيل الذي سمعنا. اذا ثمر بكامله، كالوزنات الخمس، جعل الفنان او الفنانة صورة الله المبدع. هذا ما كتبه القديس البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته الى اهل الفن 1999، قال: “الله هو مبدع الجمال والخير من العدم، امام الانسان – الفنان فصانعهما بالشكل والمعنى. نقرأ في سفر التكوين، من الكتل المقدسة، ان الله رأى جميع ما ابدعه، فاذا هو حسن وجميل وانه خلق الرجل والمرأة على صورته ومثاله، واوكل اليهما اكمال عمل الخلق يصنع الجمال والخير. ويضيف البابا يوحنا بولس الثاني ان الفنان يعيش علاقة مميزة مع الجمال والخير. فمن يشعر في قرارة نفسه بهذا النوع من الشرارة الالهية التي هي الدعوة الفنية بكل انواعها، يتملكه في الوقت عينه شعور بواجب عدم التفريط بهذه القريحة بل بتطويرها لوضعها في خدمة الانسانية والمجتمع والوطن.

هذا ما فعلته صباح في كل مراحل حياتها، فأضحت فنانة كبيرة بلغت ذروة المجد في لبنان والعالم العربي وبلدان الانتشار، غنت واطربت ومثلت على مختلف المسارح، واسرت القلوب. ساهمت بالكثير الكثير في نهضة المدرسة المصرية في القرن العشرين، وفي نهضة المدرسة اللبنانية الموسيقية الغنائية الشرقية، وفي نشر الاغنية اللبنانية حول العالم، الى جانب فنانين كبار، مصريين ولبنانيين. فكانت مسيرتها متنامية ومتألقة على مدارج الفن والمجد من مصر الى بيروت وبعلبك وجبيل وكازينو لبنان، ومن باريس الى فرساي وبروكسيل، فإلى لندن ونيويورك وكندا، ومن لاس فيغاس الى سيدني. كانت اول من غنى الاغنية اللبنانية الصرف من دون تأثر بغناء عربي آخر، واول من غنى فرنسيا – عربيا في العالم العربي، واول مطربة لبنانية غنت على مسرح الاولمبيا في باريس، وثاني مطربة عربية تغني هناك بعد ام كلثوم بسنة. لقد تربعت على عرش الفن ثمانين عاما، فكانت النجمة المشعة والعلامة الفارقة التي ربما لا تعوض في تاريخ الفن اللبناني والعربي”.

وتابع: “ولانها حملت راية لبنان عاليا، وجالت باسمه في العالم عبر الفن الغنائي اللبناني والعربي، واعلنته الى المستوى العالمي ، كرمتها الجمهورية اللبنانية بالعديد من الاوسمة واصدرت على اسمها طابعا بريديا. ومنحت الجنسية المصرية والاردنية والاميركية، مع اوسمة اردنية ملكية، ومغربية وسنغالية ومصرية وارجنتينية وكرمها رؤساء جمهوريات ودول: من مصر الى فرنسا واميركا وليبيا والعراق وتونس والجزائر وسوريا. وعلى اسمها سمي شارع في مدينة ديترويت من ولاية ميشيغن الاميركية وساحة في تونس. ومنحت من الرئيس الاميركي السابق لقب “سفيرة السلام في العالم”.

اليوم بغيابها وغياب شاعر لبنان الكبير سعيد عقل وهما ينتقلان معا من عالمنا الى عالم الله ينكسر غصنان كبيران من الارزة اللبنانية. هذا الفقيد الكبير لقبها “بحلوة الحلوات”، والراحل الكبير الآخر الفنان وديع الصافي، الذي سبقها في العام الماضي الى دار الخلود، سماها “ملكة الاوف”. وفي باريس “بملكة اناقة العالم العربي”. واحد الفنانين الكبار اطلق عليها لقب “شمس الشموس”.

واردف: “صباح المتألقة بالمجد رفيعة ايضا في تواضعها. في مجتمع يتآكله، ويا للاسف، الازدواجية والكذب والحق، ظهرت صباح شفافة واضحة امام الله والناس. لا لغز في حياتها ولا ازدواجية، لا وجهان ولا حياتان، بل وجه واحد وحياة واحدة، لا خبث يشوه حياتها ولا تستر. قاعدتها كلمة المسيح في الانجيل: “ليكن كلامكم نعم نعم او لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشر”. ندد السيد المسيح بالازدواجيين ذوي الوجهين واللسانين، فشبههم “بالقبور المكلسة التي يبدو ظاهرها جميلا فيما باطنها ممتلىء نجاسة”. ويقول لهم بصرامة: “انكم في ظاهركم تبدون للناس ابرارا، فيما باطنكم مملوء خبثا وشرا.

احبت صباح جميع الناس، وسالمت الجميع، وسامحت كل اساءة، مرددة مع مبادرة السماح “والله كبير”. واستعدت للمثول امام عرش الله بروح التوبة والصلاة، مرددة صلاة المزمور: “ارحمني يا الله بحسب رحمتك، وبكثرة رأفتك امح مآثمي. فإليك وحدك خطئت، والشر امام عينيك صنعت”. وأغمضت عينيها عن انوار هذه الدنيا، محاطة بدفء عاطفة الاهل والاصدقاء والمحبين وصلاتهم، راجية ان تنعم بالمشاهدة السعيدة في مجد السماء.

وإنا معكم ومع كل محبيها وعارفيها نصلي الى الله لكي يتغمدها بوافر رحمته، ويسكب بلسم العزاء على قلب ابنها وابنتها وشقيقها وعائلات المرحومين شقيقها وشقيقاتها وعمها، وعلى قلوب ابناء عائلة الفغالي الكرام ونقابة الفنانين المحترفين في لبنان. ولنسع جميعا الى تثمير ما وهب الله كل واحد وواحدة منا من مواهب ووزنات، له المجد الى الابد، آمين”.

وبعد تقبل التعازي خرج الجثمان الى خارج الكاتدرائية على وقع التصفيق والزغاريد واغاني الراحلة التي ادتها موسيقى الجيش.

وكانت عائلة الراحلة: ابنها صباح، شقيقها، وبنات شقيقاتها تقبلوا التعازي قبل الدفن من الرئيس تمام سلام وعقيلته لمى ومن الوزراء محمد المشنوق، الياس ابو صعب، اليس شبطيني، والنواب: هنري حلو، فؤاد السعد، بهية الحريري، انطوان زهرا، فادي الهبر، ناجي غاريوس، حكمت ديب واميل رحمه. ومن المطارنة بولس مطر، دانيال كورية وجهاد بطاح، الوزير السابق الياس حنا.

وارسلت الفنانة فيروز اكليلا من الزهر كتب عليه:”شمسك ما بتغيب”، واكاليل من الرؤساء: أمين الجميل، فؤاد السنيورة، سعد الحريري، ميشال عون، والوزراء: جبران باسيل، اشرف ريفي، روني عريجي، ومن الدكتور سمير جعجع.

وعلى هامش مراسم الجنازة كانت كلمة للنائب بهية الحريري قالت فيها: “من مثل صباح لا يموت، هذه خسارة كبيرة للبلد، عندما نتذكرها نذكر كل ما له علاقة بالمواطنة وهي دخلت قلوب الناس جميعا، كثيرون مثلها تركوا هذه الدنيا وبقوا موجودين من خلال تراثهم وصباح من الاشخاص الذين ينطبق عليهم هذا المثل، ولبنان غني بتعدديته وابتكارات ابنائه”.

اما الفنانة سميرة بارودي فقالت: “في هذه السنة غادر ثلاثة عمالقة: صباح، وديع الصافي وسعيد عقل، ونطالب بمتحف يحفظ فيه ارثهم فهم لا يعوضون” مضيفة “نقابة الفنانين المحترفين ستشتاق اليك يا صباح والساحة العربية واللبنانية ايضا”.

نقلاً عن موقع lebanonfiles.com

Share.