نوّاب لبنانيّون من كوكب آخر

0

قبل أكثر من عامين، شعر أعضاء لجنة الإدارة والعدل، أثناء مناقشتهم القانون المتعلّق بقاعدة بيانات البصمات الجينيّة، كما لو أنهم جاؤوا من كوكب آخر. يقول أحدهم لـ “الأخبار” إنه وغالبية زملائه لم يفقهوا من القانون إلا اسمه وعدد صفحاته، ما استدعى طلب خبراء متخصصين لشرحه كي يدرك النواب ما الذي يتحدّثون عنه. وعندما طرح مشروع قانون لتعديل قانون الإرث لغير المحمديين أمام لجنة الدفاع والداخلية والبلديات النيابية، العام الماضي، جلس أعضاء اللجنة وكأن على رؤوسهم الطير.

بدا الأمر وكأنهم يشاهدون مسلسلاً تركياً غير مترجم، لولا وجود ممثلين عن عدد من الطوائف ممن تولّوا “الدبلجة” لتفادي أيّ خطأ يتناقض مع تشريعات هذه الطوائف. والحال هي نفسها في غالبية اللجان النيابية التي يفتقد أعضاؤها “المعرفة” المطلوبة للغوص في تفاصيل مشاريع القوانين الموجودة بين أيديهم، فيهرف معظمهم بما لا يعرف!
صحيح أنّ اللجان النيابية هي المطبخ الفعلي لمشاريع واقتراحات القوانين، وتعد الإطار الذي تتجسّد فيه آلية العمل التشريعي الصحيح، الا أن اللبنانيين “شقلبوا” الآية، ففصّلوا اللجان وفقاً لاعتبارات طائفية ومذهبية، وليس وفقاً للاختصاصات أو للمؤهلات العلمية للنائب… إلا في ما ندر. هكذا، يمكن أن يرأس نائب درس الحقوق وتخصص في القانون المدني لجنة الدفاع، ونائب متخصّص في كلّية التربية لجنة الزراعة، وثالث درس العلوم الاقتصادية لجنة البيئة…

بالنظر إلى اللجان النيابية الست عشرة الحالية، نادراً ما راعت الانتخابات الداخلية في المجلس اختيار رؤساء ومقررين “يشبهون” لجانهم بما يمكّنهم من فهم المشاريع الموجودة بين أيديهم. صحيح أنه ما من نصّ قانوني يفرض أن يكون أعضاء لجنة الصحّة، مثلاً، من الأطباء، أو أعضاء لجنة الإدارة والعدل من المحامين، إلا أن هذا الخلل أدى إلى تضاؤل القدرات التشريعية للمجلس. فعلى الرغم من الزيادة الملحوظة في عدد اللجان، نسبة إلى العقود الماضية، إلا أن المستوى التشريعي تراجع عما كان عليه في السابق.

ولعلّ السبب الرئيس في هذا التراجع،وفق مصادر برلمانية، هو “تلزيم” النواب لجاناً لا علاقة لهم بمجال اختصاصها. والأنكى أنّ مراعاة التوازنات الطائفية والسياسية، حتّمت أحياناً “اختراع” لجان على قياس نواب محددين، كما حصل مع النائبة السابقة غنوة جلّول التي أنشئت لجنة تكنولوجيا المعلومات لأجلها عام 2002، فضلا عن تقسيم رئاسات اللجان بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، وحتى بين كل من المسيحيين والمسلمين، ما يجعل اختيار عضوية النواب وفقاً لمؤهلاتهم العلمية أمراً صعباً. وهذا ما يؤدي الى حضور “جسدي” محض لبعض النواب في بعض اللجان، من دون أي مشاركة في النقاش، فيما يكاد يكون رئيس اللجنة والمقرر وأمين السرّ أكثر الحضور حركةً وكلاماً.

Share.